جامعة أم القرى النتائج الاختبارات الدروس والمحاضرات البحوث والمقالات الكتب النقد البلاغة
 مقدمة ديوان في صحراء الأيام (للشاعر سعد بن عبدالله الفويه)  

 

كتب مقدمة الديوان الدكتور ظافر العمري

بسم الله الرحمن الرحيم

     الشعر ديوان العرب، كان ومازال كذلك عند من يملك الروح العربية الأصيلة، ويتنفس أنسام العروبة، ويتمثل معانيها السامية. لأن العربية بأصالتها وعظمتها في غنى عن أن تستمد جمال فنونها ومحاسنها من لسان آخر، كما أن الذوق العربي أعظم وأنقى من أن يتلبس بذوق أعجمي.

     ولن يدع العربي قول الشعر، والتغني به، والخلود إليه، والارتماء في عالمه الفسيح أبداً، على الرغم من ضيق مداخله ـ أعني الشعر ـ وغموض مسالكه، إذ لا يصل إلى مندوحته كل متمن لذلك، ولا يبلغ فنه كل من أحب قوله، يمتنع امتناع العظماء عن السفهاء، ويأنف أنفة الملوك عن السوقة، ويأبى أن تلوكه الألسن، احتجب عن أكثر من رغبوا فيه حتى انصرفوا عنه،وامتنع عن  أكثر مريديه حتى نفروا منه،فوصموه بالجمود والعسر، وطلبوا له بدائل ظنوها شعراً.  مالوا إلى تقليد الآخر فأحالوا، واخترعوا أشكالا مبتدعة فأساءوا، ولم يجدوا سواه أصلح منه للنهوض برسالته تجاه الإنسانية.

     إن الشعر ينبعث من أعماق النفس من الطاقة الشعورية التي يلجأ إليها الشاعر، ويأوي إلى كنفها حيناً بعد حين، ومرة بعد أخرى، فهو أرقى الأشكال الإبداعية التي تلتقي فيها  ثلاثية الإبداع: اللغة، والفن، والحياة، لاسيما إذا عني الشاعر بالمعاني الإنسانية التي تمنح شعره الصيرورة والدوام،وأمثلة ذلك في دوواين كبار شعراء العربية ظاهرة بأدنى تأمل.

     ولم يكن الشاعر العربي حين يقول الشعر مهتما بإرضاء نفسه فحسب ، بل كان معنيا بإرضاء متلقي شعره، والإخلاص لفنه، حتى كاد الشاعر العربي  يفتتن بشعره، فكانت القصيدة العربية على مرّ العصور أنموذجاً صادقاً لذلك الفن الأصيل الذي تتجلى فيه عبقرية الإنسان ، وإعجاز اللسان، وسمو الذوق.

    

    والفن الإنساني لا يكتب له الخلود والبقاء إلا بقدر ما يحقق للنفس الإنسانية من إشباع لعواطفها وإرضاء لنوازعها، وبقدر ما يتحقق  للإنسان من سيطرة على مشاعره، وبقدرته على إعادة اكتشاف الكامن من تلك المشاعر وتهذيبها. ثم إن العواطف والنوازع النفسية بقدر ما تميل إلى الخير والفضيلة بأثر من الشعر يكون الشعر محقِقا للتطهير النفسي الذي هو اللحمة بين المبدع ومتلقيه، أو بينه ومجتمعه. فلم يكن الأدب في عمومه والشعر على وجه الخصوص في أي وقت من الأوقات بمعزل عن المجتمع الذي أنشأ المبدع نفسه، بل إن الشعر ليس عملا فردياً يقوم به الشـاعر وحده، فهو عمل جمعي اختار الشعر نفسُه أن يظهر على لسان فرد من أفراد ذلك المجتمع، ويتأكد هذا لأن الشاعر ينطق بأحاسيس عامة لا خاصة، ويترجم خبايا في أصل النفس الإنسانية وجنسها لا في نفسه هو فحسب، وإن تولى الشاعر مزج حقائق الطبيعة، والحياة الكونية برؤيته الخاصة. لذلك كان من الأهمية بمكان لدى الشاعر أن  يُسمع شعره كل من حوله ،وأن يخرج فنه من إطار الشاعر نفسه إلى دائرة المتلقي،وأن يعيشه كلُّ أحد كما يعيشه هو.  ولولا هذه الخاصية في العمل الفني لكان الإبداع حاله حال أي نشاط إنساني يقوم به الفرد مختصا به نفسه لا يظهر عليه غيره.  وإن الفضيلة التي تحدثت عنها فلسفة الجمال، ونادى بها  فلاسفة الأخلاق ما هي إلا عطاء إنساني من أسمى معاني العطاء، وهي منجَز أخلاقي لا يصح الشعر خلواً منها، وإنما ظهر منهج أصحاب نظرية: (الفن للفن) رداً على سيطرة روح الكنيسة في القرون الوسطى على الإبداع وتوظيفه في خدمة مبادئها، إذ لم يلبث  المجتمع الغربي عند تحرره من سيطرتها حتى أخذ ينبذ كل ما كان مرتبطا بها بما في ذلك جانب الفضائل الذي ارتبط بالعمل الفني من جهة صدوره عن التعاليم الكنسية، فكان أن تهاوى الفن بتخليه عن مضامين الأخلاق وأغرق في الرذيلة وعاد النقاد الأخلاقيون ينادون من جديد بمبادئهم، واتسعت الخلافات حينئذ بين فلاسفة الجمال الفني. والحق أن دعاة مبدأ: (الفن للفن) منغمسون في النفعية إلى أقصى مدى، لأن سلب النفعية الجميلة طريق مهيع لتقوّي النفعية القبيحة، وإلا لما ظهرت الرذيلة التي استهجنها نفر ليسوا بالقليل من النقاد الجماليين. لذلك لم يكن مناسباً للشعر العربي أن يُطلب منه التخلي عن روحه التي جرت فيه، وأنفاسه التي تجري في نفْسه، وغريب أن ترى من يذم الشعر العربي بهذه الروح الأخلاقية التي ساهمت في خلوده عبر تلك الحقب الطويلة، فكانت المعاني السامية وصفات النبل ـ على ما في نفس الإنسان السـويّ من ميل إليها  ـ تتلبس بالجمال اللغوي وتتوسل به فتكون أكثر أثراً في النفوس وأشد استمالة لها لتحقق الخير والسعادة للإنسان، وهذا من أبرز أسرار خلود الفن الإنساني.

    إن قدرة الشاعر على الإبداع، وخلق الشعر خلقاً جديداً، يعود إلى ما يتميز به من خصوصية في شعره،فلسنا نطلب منه أن يفوق المتنبي وأبا تمام، أو أن  يأتي بمثل ما جاء به عظماء الشعر العربي، فيأتي بما لم تستطعه الأوائل، لكن متى كان للشاعر خصوصية في لغته وأخيلته وتراكيبه ورؤاه، استحسنا شعره، وتذوقنا فنه.

     و بين أيدينا  ديوان(واحات في صحراء الأيام) لشاعرنا سعد بن عبدالله الفويه، نقرأه فنلمس فيه أصالة الفن العربي، ونضع أيدينا على شيء من خصوصيات الشاعر، وقدرته على تحقيق روح الفن بأسلوبه المتميز، وطريقته التي تتمثل القيم الأخلاقية، والمعاني الإسلامية، ممتزجة بروح الشاعر وأحاسيسه الصادقة، بين قضايا أمته، وقضايا مجتمعه ، وتأملات في الكون والحياة.  ولقد عالج شاعرنا كثيراَ من  أغراض الشعر العربي، فكان في ذلك كله طبعيّ المأخذ، قريب اللفظ، معجمه الشعري واضح فيه أثر التراث، بل إن التراكيب ذاتها تكاد تشي بامتداد ذلك الأثر التراثي في صبغة العبارة. واجتماع اللفظ والتركيب على هذا المنحى يجعل الصبغة التراثية غالبة على نهج الشاعر، على أن حكمنا بتراثية معجمه ونهجه الشعري لا يعني الغرابة والبعد عن اللغة المعاصرة، والأسلوب السهل،وقد تنوعت أساليبه باعتماده على قدر صالح من الخيال مرة، وعلى التركيب اللغوي العميق مرة أخرى.

    والنظرة الإيمانية في شعر شاعرنا تنبثق من إحساسه بهموم أمته، وتمثله لمهمة الشاعر في مجتمعه حتى إنك لتراه يشرع في موضوعه فلا تلبث هموم أمته وقضاياها أن تدهمه فيسري وحيها بين أبياته، وكأن القصيدة تُولَد في نفسه بين صراخ اليتيم الفلسطيني، وعويل الثكلى، ونواح ذات الهدم.

      إن أبرز ما يميز موضوعات  هذا الديوان عنايته بالتراث، وهو من صلب قضايا الأمة، ولكون هذا الوطن العزيز هو مهبط الوحي ومعدن العربية، فإن التغني بمآثره وآثاره إنما هو لفرط إحساس الشاعر بتلك الهموم، فحب اللغة العربية، والإشادة بالتراث، والحنين إلى أرض العروبة وبقاعها، يرجع إلى كون العربية والإسلام كاللُّحمة والسَّدَى،  وتراث هذه الأمة وثقافتها ما هو إلا مزيج من العربية والإسلام، هذا هو منظور شاعرنا، وتلك هي نبرة صوته في تمثل الصلة بين التراث العربي والإسلامي اللذين يجتمعان على أرض هذا الوطن.

     ورؤية الشاعر هنا تمتزج كثيراً ببيئته، ومن ذلك أنه لما كانت النخلة مثلاً للمؤمن، ورمزاً لإنسان هذه الأرض الطاهرة كان حنين شاعرنا إليها ومخاطبته لها تجسيداً لصورة الإنسان الذي لا غنى به عن صحبته، فوداعه لها وداع لصديق حميم، وأخ كريم تتحقق فيه معاني الصفاء والولاء، إنها صورة ابن هذه الأرض الذي  يحسن الجوار، ويتعهد الأصدقاء فيسره لقاؤهم، ويحزنه وداعهم.

     والوحدة والخلوة في حياة شاعرنا تستنبت في نفسه معاني الاستئناس، فهو لا ينفك يخاطب من حوله حتى لو لم يكن إلا ريشته التي يغمسها في مداد خياله، أو كان يخاطب لوحة شكّلتها ريشة رسام، وهذه هي حال الشاعر لا ينفك يشدو ويصدح وهمهمات نفسه تأبى إلا أن تتدفق، كالطائر يغرد فلا يملُّ الشدو، فربما أثار في نفسك أصداء الجذل، أو معاني الشجن.

    وإذا كانت المرأة قد نالت حيزاً واسعاً في الشعر العربي، فإن هذا الديوان لم ينسحب من عالمها، غير أن شاعرنا كانت عاطفته نحوها هنا عاطفة حانية، فكأن شعوره  يتمثل في العطاء الذي يمتاز بأنه يمنح أكثر مما يأخذ، وهذه المساحة من نظرته للمرأة منحها في ديوانه لابنة أخيه، فلم يشعر بخطابه لها أنه حين يبثها أشجانه إنما هو يغسل شجوه بصفاء المرأة الذي مَثَل أمامه في ابنته، على أنه لا يمكن سلب الديوان من نفحات أنثوية تتخفى في همسات الطبيعة، فلا تُعدم أن تستوحي أثرها في نواحي الروابي الخضراء، والواحات الظليلة،لأن العاطفة مهما كانت جياشة وقوية فإنها قد تحتجب، لكنّ احتجابها إنما يكون خلف مظاهر مماثلة في أثرها لتلك التي تبرز  في الأصل.

     إن أصالة الشاعر أبقته في حيز الشعر الأصيل، وإذا كنا قد استظهرنا تراثيته في النهج الشعري عموما فقد غلب على ديوانه القصائد الأصيلة بعروضها وقوافيها،وأما خروجه عنها فيتمثل في التخلي عن البحر العروضي وانتظام القافية، ففي جملة من المنظومات الشعرية  تجده يمضي على شعر التفعيلة، ويُعنى بالإيقاع الصوتي المتكرر بين السطور، ليعوض الشعر حركية الوزن والقافية .

    وأخيراً أيها القارئ الكريم فإن ديوان (واحات في صحراء الأيام) نبضٌ لشاعرنا امتدت  قصائده عبر سنوات، وأحسب أن عدداً من تلك القصائد كانت هي بواكير إنتاجه الشعري،  ولا تحولنَّ هذه المقدمة بينك وبين هذا النبض السعديِّ، وسأدعك مع الديوان لتقرأ الشعر والشاعر.

والحمد لله أولاً وآخراً.

وكتب

 الدكتور/ظافر بن غرمان العمري