كان الحوار وما
يزال طريقة من طرائق أهل العلم، ومنهجاً سديدا في التماس
الحق، واتباع سبيله، ولقد تدرك العقول أخطاءها فتسارع إلى
مدارج الصواب وتثوب إليه، لأن أولي الألباب لايبلغ شيء في
نفوسهم مبلغ الوصول إلى الحق والاهتداء إلى السواء من
منابعه، فهو غاية لايضاهيها غاية، في حاجات الدنيا ومطالب
الآخرة. وإن شر مايرث المرء ماسامته نفسه من الإعراض عن
الحق حين ينبلج، والإدبار عنه حين يقبل، فلا يزال ضرر نفسه
عليه يكبر شأنه وتشتد أركانه، حتى لايلوي على شيء سوى
ماتمليه عليه، وما تدله إليه، وذلك أمر لاينزاح عن العقل
ما دامت النفس آمرة ناهية له، فيتفاقم الضرر وتتصل معرته،
وتطول مضرته. فلاينتفع المرء بعد ذلك بهدى يراه، ولايلين
قاسيه، ولاتنحل عقد، ولاترتجى فوائده. لأن المرء ما دام
مطلبه التفييل وغايته التعذيل، فسينكر جواد السبل، ويتيه
في لواحبها.
والأمية متى
طغت وانسدل ستارها على مطالع النور وغطت صفاء الحقائق
انشعبت المكارم، وأخلقت ثياب الآداب، ونافس علية القوم
غيرهم على ماهو للأدنى رغبة عن فضائل المعرفة، وجهلا بغرر
خفاياها، وتشيع الأمية متى ذهل الناس عن مصادر المعرفة،
وأطلقوا للنفوس رغباتها لتستكثر من ملاذها، وتنصرف عما
أكرمت به من بارئها. قال العقاد: (إن القراءة لم تزل عندنا
سخرة يساق إليها الأكثرون طلبا لوظيفة أو منفعة، ولم تزل
عند أمم الحضارة حركة نفسية كحركة العضو الذي لايطيق
الجمود) «العدد 427 من الرسالة»، وإن من أفضل مايندب إليه
المرء ويحض على فعله القراءة والاطلاع، ولقد تبلو كثيرين
ممن تظن فيهم الظن فلا تجد عامتهم كما تخال، ولاتكاد تحصل
على مبتغاك، وإن بالغت في التفاؤل، وأكبرت الأمل.
وفضل المعرفة
ومنزلة أصحابها لايخفى على ذي لب. وحملة القلم، وأرباب
الفكر لهم الريادة حيث كانوا. وقد رجوت أن يكون الأستاذ
الفاضل علي العبادي، من أولئك الفضلاء، فذلك مما يبعث على
السرور في نفسي، وكل من يحب الخير للوطن وأبنائه يشعر
بهذا. وليست المحاورة والمناقشة العلمية إلا داعما لذلك.
ولقد كتبت مقالة في منتصف شهر ربيع الثاني الماضي دونت
فيها بعض ما رأيته من ملاحظات في كتاب الأستاذ العبادي
رئيس النادي الأدبي بالطائف، وهو كتاب (ما هكذا يكتب
الشعر) في جزئه الأول، وقد طبعه النادي على نفقته، وينتظر
إصدار الجزء الثاني منه، وموضوع الكتاب يغلب عليه ملاحظات
عروضية على بعض القصائد التي نشرت في صحفنا، فكانت
معالجتها في مقالات صحافية جمعت بعد ذلك في كتاب. ولأنها
كذلك فقد جاءت قراءتي للكتاب على هيئة مقالة. وحينما أبديت
للأستاذ العبادي الملاحظات على كتابه الآنف الذكر، في
العدد ذي الرقم 13485 الصادر بتاريخ 18/4/1426ه، ظننته
سيفيد من تلك الملاحظات، ويأخذ بأحسنها، فما كان منه إلا
أن أجاب بإجابات تحطب في حبل أخطائه التي وقع فيها في
الكتاب، ولم يكن عليه من ضير أن يفيد مما أرشدته إليه حتى
لوسمى ملاحظاتي حواشي، فإن حواشي كتابه حوت ماهو خير من
كلامي من الآيات والأحاديث، وحشى لكتابه بكلام من هو خير
مني ومنه.
ثم كتب الأستاذ
العبادي مقالته المنشورة في العدد ذي الرقم (13541) والعدد
ذي الرقم (13548)، الصادرين بتاريخ 15 و 22/6/1426ه.
فجاء فيها
بالعجائب والغرائب. والطريقة التي جرى عليها في أغلب ما
تناوله في رده ليست طريقة علمية منهجية، ولذلك يفتقد
الحوار العلمي عاملا مهما من عوامل النجاح، وهو تجريد
المسائل وتنقيح مناطها، وتمييز مبادئ الأمور ومسائلها.
ولست هنا ملقيا
للقول على عواهنه، فأرمي الأستاذ العبادي بما ليس فيه،
ولكن سأقيم الحجة والبرهان على كل ما أقول، أقول، لأني
رأيته يأتي بالقول ويحكم بالحكم لا دليل يؤيده، ولابينة
تسدده. فالملاحظ على منهج الأستاذ العبادي في الرد على
مقالتي مايلي:
1- رده لكلام
العلماء وإصراره على رأيه المخالف لصريح أقوال أهل العلم.
2- إنطاق أهل
العلم والأدب بمالم يقولوه.
3- إيراده
لكلام أهل العلم للاستشهاد به على أخطائه ولاشاهد له في
كلامهم، مع استكثاره من الاستطرادات التي تخرج عن صلب
الموضوع.
4- إصدراه
للأحكام العامة بغير أدلة، واستنتاجه لنتائج لاتبنى على
مقدمات صحيحة.
5- استعماله
للألفاظ والأساليب العامية في عدد من المواضع.
6- خلطه بين
الأدلة والشواهد العلمية وإدخال المسائل في غير أبوابها
التي صنفها فيها أهل العلم.
وإني إذ أعزم
على هذا لأصرح بشديد احترامي لشخص الأستاذ العبادي، وما
أضمر له من التوقير. أما مايطرح في هذه المقالة من حوار
وما يساق فيها من استدلالات فإنه لايتجاوز النقاش الودي،
والمساجلة المعرفية التي أروم منها كل خير لي وله.
وملاحظاتي على كلامه وما سيرد في المقال من إيضاح لمواطن
الأخطاء لاتصل إلى شخصه أبدا، فإظهار الحقائق يستلزم
ألايحابى أحد أو يداهن. وكل ماسوف أدونه هنا سيكون مدعوما
بالحجة والدليل لأنحو من التقول والتزيد على الأستاذ
العبادي، والمنهج العلمي يقتضي أن نتنزه عن الأحكام
العامة، وعن القول بغير دليل، ويوجب علينا أن نطرق السبل
الصحيحة المؤدية إلى الحقيقة بكل أمانة وتجرد، وأن نبتعد
عن الجوانب الذاتية والمسائل الشخصية، لأن ذلك يذهب برونق
الحوار العلمي، ويضع من قيمته.
وأول ذلك
اعتذاره عن بيته المكسور:
كم يقتدي بك من
طيب
الذي نبهته إلى
مافيه من خلل، بعد أن عالجه بين المسودات والمبيضات زهاء
عشر سنين فلم يصححه حتى رأى مقالتي. يقول الأستاذ العبادي:
(وبالرجوع إلى مسودة أصل مقالتي التي أحتفظ بها، وجدت
الشطر مصححا هكذا: كم يقتدي من سيد فاضل) وأقول للأستاذ
العبادي: معنى ذلك أنه في مسوداتك مكسور، ثم إنه من العجيب
أن تقع الصحيفة التي أظهرت مقالتك، والمطبعة التي أخرجت
كتابك في نفس الخطأ، وتتفقا على أن تقعا في نفس الخطأ
وتكسرا بيتك بطريقة واحدة مالم يكن الخطأ موجودا في أوراقك
التي بعثت بها إلى كل من الصحيفة والمطبعة. إلا أن تكون قد
دفعت إلى المطابع بقصاصات الصحف التي كسرت بيتك. فهذا خطأ
مركب، إذ كيف ترى الطباعة الصحفية تكسر بيتك ثم تبعث
بخطئها إلى المطابع، وتدع أصولك التي زعمت أن البيت كان
فيها مصححا. ولقد غفلت أيها الأستاذ الفاضل عما خطته يمينك
في الكتاب بعد البيت المكسور في الصفحة ذات الرقم 40، مما
يؤكد أن هذا الشطر مكسور حتى في المسودات حيث تقول: (يقتدي
فعل يتعدى بحرف الباء.. يقال: اقتدى به: فعل مثل فعله)،
فشرحك لهذا الشطر وإلزامك للفعل حرف الجر للتعدية، يدلان
على أن الشطر هكذا كان وما زال. لأن هذا الشرح والتفصيل
لايناسب الشطر الذي ادعيت أنك صححت به مافي مسوداتك.
أما قول
الأستاذ العبادي: (إن «مستفعلن» التي في البحر السريع
لاتصبح (فعلن) بتحريك العين، وإنما تصبح «متفعلن» وتنقل
إلى «مفاعلن») فأقول للأستاذ: إن كسرك لشطر البيت هو الذي
حول «مستفعلن» (5/5//5) إلى «فعلن» (///5)، ولم آت به من
عندي، وإنما قرأت شطرك المكسور قراءة عروضية فظهرت تفعيلتك
(فعلن ///5) في البحر السريع، وأخبرتك في مقالتي أن هذا
لايكون في السريع، فكيف ترد علي بما أخبرتك به، وترشدني
إلى ما أرشدتك إليه، وما استطرادك في الحديث عن الزحافات
مما لايتصل بشطرك المكسور إلا تخلصا من مغبة ما وقعت فيه
وأنت العروضي.
وأما قولك إنني
لا أعرف العروض، فإن ذلك منك استنتاج خاطئ وحكم بلا دليل،
حيث استنتجت نتيجة ليست مبنية على مقدمة صحيحة.
انظر إلى قولك:
(وكم كنت أتمنى أن تقوم أيها الابن الفاضل بتصحيح هذا
الشطر المكسور عروضيا.. ولكن فاقد الشيء لايعطيه، فالابن
الدكتور ظافر لايلم بعلم العروض إلا بالنزر) فالمقدمة التي
بنيت عليها حكمك هي أنني لم أصلح بلفظي شطرك المكسور،
والنتيجة التي وصل إليها فهمك هي أنني لا أعرف العروض!.
إنه استنتاج يصنف علميا فيما يكون من صنع الهوى، أو من
ضحالة المعرفة، لأن من أراد أن يستنتج حكما صحيحا فعليه أن
يأتي بمقدمة سليمة ويستنتج منها نتيجة صحيحة. لكنك جعلت من
قوم بيتك وصحح أخطاءك العروضية التي وقعت لك في كتابك،
جعلته لايعرف العروض!! أي منطق هذا؟!.
إن من كشف
أخطاءك العروضية، لايعجز عن صنع شطر أوبيت، فضلا عما سوى
ذلك. ولكنني أرى أنه ليس من شأني أن أدخل لفظي في شعر
غيري، إذ كان منهجك ترقيع الأبيات برقع واهية، بأن تضيف
منادى، أو ظرف، أو نحو ذلك مما يعد إضافة للوزن لاصلة لها
بالشعر، من مثل (أيا صاحبي) في قولك:
كأنه بوم
أياصاحبي
عند تصحيحك
لبعض أبيات عبدالله جبر في الصفحة ذات الرقم 386، ومثل
قولك (ياقومنا) في تصحيح بيت خليل الفزيع في الصفحة ذات
الرقم 388 من كتابك:
إبليس حالفه
ياقومنا علنا
أو أن تسلخ بيت
الشاعر فلا تبقي منه إلا لفظة واحدة. وتتبرع له بباقي
الألفاظ من صنعك، كما صنعت ببيت مصطفى بشارة في الصفحة ذات
الرقم 391 من كتابك حيث تقول:
اضرع للخالق
مبتهلا
تسعد أوطاني
بالظفر
أو كما خطأت
صوابا في الصفحة ذات الرقم 388 في بيت الفزيع القائل:
من يقتل
الأطفال جورا في منازلهم
ويدفن الأحياء
والأحقاد تستعر
حيث غيرت كلمة
(الأطفال) إلى (طفل) وكلمة (الأحياء) إلى (حي) فاستقام
الوزن، لكنك عمدت إلى كلمة (منازلهم) فأبدلت بها كلمة
(منازله) ولم يكن من داع لذلك، ولكن ظنك أن كلمة (الطفل)
لاتطلق إلاعلى الواحد دون الجمع جعلك تحدث ذلك التغيير.
ولو اكتفيت بأيسر التغيير وأقله لكان أقرب إلى الصواب.. ثم
إنك قد تصنع شطرا مستقيم الوزن صحيح الإعراب في ظاهره،
لكنه أشبه بالكلام العامي سبكا ومعنى، وفيه من الركاكة
ماينفر منه الطبع مثل قولك في صفحة (41):
ماهمه السائل
أن يعطيه
ولكي تعرف
عامية هذا البيت؛ أعربه وتبين المعنى الذي يظهره لك
الإعراب. وقد نجدك غيرت في البيت تغييرا واسعا مع أنه
لايحتاج إلا لحرف واحد مثل بيت الشريف محمد بن منصور:
وبان بأن ودك
لي هراء
وأن في قلبك
الداء الدفينا
إذ غيرت في
البيت كثيرا فقلت:
وبان بأن ودك
لي خداع
وقلبك يحمل
الداء الدفينا
وكان يسعك أن
تستبدل حرف الجر (الباء) بحرف الجر (في) وتنجو من التمحل
الذي تستكثر به من التشنيع على البيت وصاحبه، فتجعل البيت
كالتالي:
وبان بأن ودك
لي هراء
وأن بقلبك
الداء الدفينا
وكيف ترى
الأسلوب والمعنى حين صححت بيت الدكتورة سلوى عرب، وعمدت
إلى الكلمة المشتهرة (وراء كل رجل عظيم امرأة) فأحالتها
إلى رفات بالية، حين قلت:
قد تنامى بأن
خلف عظيم
إبنة من بنات
حواء تقبع
أم تحسب أنك
سلمت من الخطأ في قولك:
وأحييك يا وليا
لعهد... البيت
إذ إن تنكير
كلمة «عهد» لا يليق بالغرض الذي سقت البيت من أجله. ولو
علمت خصائص التعريف والتنكير في الأسلوب العربي، لما نكرت
مثل هذه الكلمة.
أما رجاؤك أن
أطلب علم العروض، فأرجو أن أكون طالب علم ما حييت، ومتى
وجدت علما نافعا أخذت به، ومن أسدى إلى شيئا من المعرفة،
أو صحح لي خطأ؛ شكرت له، وأقررت بفضله. ولن أدعي الكمال.
وليس التبريز في العلم بأن يحط المرء من أقدار الآخرين،
ويغمط فضلهم، ويزري بمنزلتهم.
وأما قولك:
(الرغبة في النكاح في حال، والرغبة عنه في حال أخرى) الذي
زعمت أنك قومت به قولي: (إن الرغبة في الآية يراد بها
الوجهان كلاهما، الرغبة في النكاح، أو الرغبة عن النكاح)
فالحقيقة أن قولي أبلغ من قولك: لأنه أوجز من عبارتك مع
شموله للمعنى المراد، حيث إن حرف العطف (أو) في عبارتي
مفيد للمغايرة، فقولنا: (جاحد الحق جاهل أو صاحب هوى) يفيد
الفصل بين حالين. ولعلك تعود فتقرأ قوله تعالى: (وإنا أو
إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)، حيث فصل حرف (أو) بين
فريقين لا تتراءى ناراهما. أفلا يفصل بين حالين؟!. ثم أرجع
إلى كلام العلماء في معاني الحروف عن هذا الحرف، والفرق
بينه وبين شقيقه (الواو)، فلعله اختلط عليك معنى (الواو)
بمعنى (أو) فذهبت تخطئ الصواب.
ويقول الأستاذ
العبادي (فحرف الجر الذي يحذف قياسا، ما كان قبل (أن) أو
(أنّ) المصدريتين) وهو إعادة بالنص لما بينته له،لكنه
يوجهه إلى كأني جاهل بهذا النص وكأنه هو الذي أرشدني
إليه.. ثم يقول: (وقولي: رغبوا مني، ليس من هذا القبيل فهو
قريب من قولك: رغب إلي المؤلف) فالعبادي يعيد إلى قاعدة
النحاة التي أرشدته إليها، ثم يخلطها برأيه، وحينما أراد
أن يبعث الحياة في قوله (رغبوا مني) ادعى أنه قريب من
قولي(رغب إلى المؤلف في أن ينضم قلمي...)، وأقول للعبادي
أيضا: إن قولك: (رغبوا مني) لم أجده في كلام أهل العلم
وإنما الذي وجدناه، هو قولهم، (رغبوا إلى في كذا)، ولكن
الأفظع من ذلك إنكاره لكلام أهل العلم. وأقول له أيضا:
ارجع إلى كلام أهل العلم. فبعد أن أشاروا إلى ما تتذرع به
من أمن اللبس، نصوا على وجوب إبراز أحد حرفي الجر (في أو
عن) بعد الفعل (رغب). وقد أوردت بنفسك كلام أبي إسحاق
الشاطبي- رحمه الله - الذي نص على لزوم إظهار حرف الجر (في
أو عن) مع الفعل رغب، لكنك لم تورد جميع ما قاله الشاطبي
مما يشهد على خطئك، وذلك قوله رحمه الله: (الحذف يطرد مع
أنّ وأنْ، إذا أمن اللبس، فإن وقع بسببه لبس لم يحذف ولزم
إثباته، نحو قولك: رغبت أن يكون كذا، فإن هذا الحذف غير
جائز لاحتماله؛ إذ لا يعرف هل المراد: رغبت في أن يكون
كذا، أو رغبت عن أن يكون كذا، وهما معنيان مختلفان، فامتنع
الحذف للبس الحاصل بسببه، فلو كان على المقصود دليل في
«رغبت» ونحوه لجاز الحذف، كما تقول: أحببت مرافقتك ورغبت
أن تكون معي «المقاصد الشافية 1/49»، فانظر كيف منع الحذف
للبس، ثم إن الوجه الذي أجاز فيه الحذف شرط فيه شرطا عزيزا
وهو أن يكون في الكلام ما يدل على المقصود. ومثل له
بالمثال السابق، وليتك فهمت مراده من المثال فإن حب مرافقة
شخص لآخر توجب الرغبة فيها. وهذا لا ينطبق على قولك:
(رغبوا مني أن أظهر) لاحتمال أن يكونوا راغبين عن الإظهار،
ثم إن حرف الجر (من) يزيد العبارة قلقا، ويقربها من
العامية. أما مثال الشاطبي فلا احتمال معه لغير حرف الجر
(من)، لأن الرغبة في المرافقة فهمت من صدر العبارة، فلا
لبس حينئذ. فكلام الشاطبي ليس في حجة لعبارتك، بل هو حجة
عليها.
لقد أوردت أيها
الأستاذ الفاضل ما ناسب رأيك من كلامه- رحمه الله ونحيت ما
شئت أن تنحي منه وأصررت على صحة عبارتك. ثم تسألني: من أين
جئت بهذا الاشتثناء؟ فأقول لك: جئت به من كلام أهل العلم،
استمع (أرشدك الله) إلى قول ابن مالك: (فلو لم يتعين الحرف
عند حذفه مع «أنّ وأن» لامتنع الحذف نحو رغبت أن يكون كذا،
فإنه لا يدرى هل المراد رغبت في أن يكون أو رغبت عن أن
يكون، والمرادان متضادان معنى فيمتنع في مثل هذا). «شرح
التسهيل 2/150» واقرأ كلام أبي حيان الذي نص فيه على المنع
في (الارتشاف 4/2090)، وطالع كلام الأشموني في شرحه
للألفية «2/91». وتأمل كلام الشاطبي الذي أوردته في مقالتك
وبترته.. ثم راجع لعلك ترجع.
ويقول الأستاذ
العبادي: (بعض العروضيين يخضع كتابة التفعيلات للجانب
الصناعي، وبعضهم يخضع كتابتها للجانب الصوتي). وهو بذلك
يبرر عدم تحويله لبعض التفعيلات التي لحقها الزحاف، إلى ما
عهدناه عند العروضيين، في نحو (فاعلاتن) حين يلحقها الخبن،
فتصبح (فالاتن) ثم تحول إلى (مفعولن)، وأقول للأستاذ
العبادي: من من العروضيين أبقى (فالاتن) على حالها ولم
يحولها إلى (مفعولن)؟
ومن أغاليط
الأستاذ العبادي قوله: (إن البحر البسيط سمي بسيطا من
البساطة التي هي السهولة، فلما كان سهلا في الذوق سمي
بذلك) وأقول للأستاذ العبادي: ما نوع كلمة (البساطة )؟ ومن
أي مصدر لغوي جئت بها؟. لقد خلطت - أيها الأستاذ - بين
الفصيح والعامي. ولا يعني وجود حروف الكلمة في الفصحى أن
كل اشتقاقاتها فصيحة، فكلمة (بساطة) تسللت إلى «حسك
اللغوي» من العامية. كما أن تعليلك لتسمية البسيط بهذا
الاسم مخالف لقول أهل العلم: (سمي بسيطا، لأن الأسباب
انبسطت في أجزائه السباعية، فحصل في أول كل جزء من أجزائه
السباعية سببان، فسمي بسيطا لذلك. وقيل: سمي بسيطا،
لانبساط الحركات في عروضه وضربه) «الوافي للتبريزي 54».
وأما البسط فمعناه في اللغة الامتداد والسعة، واستعمل في
القرآن الكريم والسنة النبوية بهذا المعنى فحسب.
وأما قول
الأستاذ العبادي إنني قلت: (إن البحر البسيط ثاني اثنين
أولهما الطويل) فأنا لم أقل هذه العبارة المبتورة، وإنما
الذي قلته هو: (إن البحر البسيط ثاني اثنين أولهما الطويل
من جهة مكانتهما لدى كبار الشعراء، وما نظم عليهما من عظيم
القصائد) فقيدت قولي بمكانته لدى الشعراء، لكن الأستاذ
العبادي بتر عبارتي ليستخلص منها ما أراد، فذهب يتحدث عن
البسيط باعتبار منزلته العروضية في دائرة المختلف، ولم
يميز العبادي بين الكلام عن البسيط باعتبار دائرته،
والكلام عنه باعتبار مكانته لدى الشعراء وإيثارهم للنظم
عليه، وهو مقدم في ذلك على المديد.
ولطالما استعجل
الأستاذ العبادي فقرأ النصوص كما يحب لا كما يجب.
ويقول الأستاذ
العبادي عن تسمية الشعر العربي بالعمودي: (هذه التسمية
قديمة جدا.. وأول من سمى الشعر الفصيح بالشعر العمودي
الشاعر البحتري المتوفى سنة 284ه عندما قال عن نفسه وعن
أبي تمام، عندما سئل: «كان أبو تمام أغوص على المعاني مني،
وأنا أقوم بعمود الشعر منه») فأقول للأستاذ العبادي: لم
يرد في أي من كتب القدماء سواء من ذكرتهم أو من عاصرهم أو
لدى قدمائنا عموما تسمية الشعر العربي الفصيح بالشعر
العمودي، وإن كان لديك علم فأخرجه لنا. ولقد أنطقت علماءنا
وأدباءنا بما لم يقولوا به، فقولهم عمود الشعر، ليس تسمية
له بالشعر العمودي. وعجيب منك ما صنعت؛ يقولون عمود الشعر،
فتقول: قالوا: الشعر العمودي. فالصحيح أنهم سموا الشعر
الذي التزم عمود الشعر «شعر الطبع» وهو ما كان عليه
البحتري وأضرابه، وسموا الشعر الذي لم يحافظ على بعض خصائص
عمود الشعر «شعر الصنعة»، وجعلوا من أربابه أبا تمام.
وربما جعلوهما مدرستين ممتدتين منذ العصر الجاهلي.
ولعل الأستاذ
العبادي يدلنا على مصدر قديم يسمي الشعر الفصيح بالشعر
العمودي.
لقد خلتك أوعب
للأدب المعاصر وشؤونه، وظننتك تعرف الفرق بين مصطلح «عمود
الشعر» ومصطلح «الشعر العمودي». وأؤكد ما ذكرته لك في
مقالتي السابقة من أن تسمية الشعر العمودي تسمية حديثة،
فقد جاءت كما بينت لك من بعض المعاصرين، وذلك أن العمودية
التي يريدونها إنما هي ناظرة إلى القصيدة العربية من جهة
كتابة أبياتها على شطور متقابلة أو على هيئة عمودين
متقابلين، حتى إن القصيدة الفصحى لو كتبت متناثرة بين
الأسطر مع التزامها بعمود الشعر فإنها لا تعد عمودية
عندهم.
لأن كتابة
الشعر لديهم جزء من فنية القصيدة، حتى نرى بعض الشعراء
المعاصرين يكتب بعض كلمات القصيدة بحروف مقطعة وهو نوع من
التشكيل الفني المعتمد على النبر والصوت والجرس في بناء
القصيدة، وهو مستفاد من الآداب الغربية، وبخاصة الشعر
الإنجليزي. فشعر التفعيلة شعر مقروء أكثر من كونه مسموعا،
ومن هذا المنطلق سمى بعض المعاصرين الشعر الفصيح بالشعر
العمودي. وقد كان جديرا بك ألا تقول البحتري أو غيره هذه
التسمية لمجرد أن قال بعمود الشعر. ثم إنك ذكرت في مقالتك:
(أن الكلام الملقى على عواهنه من غير فكر ولا روية يضر
نقدنا النزيه، ويلحق بأبنائنا الأكاديميين ما يشين سمعتهم
العلمية) وأقول للأستاذ العبادي: أضف إلى مقالتك أن ما
ذكرته لا يضر الأكاديميين وحدهم بل كل من انتصب للحديث،
ولم يكن ذا فكر وروية. وأعلم أنني لو وجدت ما في مقالتك عن
مصطلح الشعر العمودي في أي من المصادر التي نسبت أنت إليها
لأخرجته ولم أكتمه حتى لو كان في ذلك تخطئة لما قدمته في
مقالتي الأولى فإن الحق أحق أن يتبع.
أما قولك:
(وسمي بالشعر الحر لتحرره من بعض القيود الخليلية)، فأقول
لعلك أردت أن تقول: (سمي بالشعر الحر لخروجه على ضوابط
علمي الخليل) فقد يكون ما ذكرته أراده من سماه، ولكنني سقت
لك كلام الأديب العقاد لسداده، وهو أن هذه التسمية إذا نظر
إليها من جهة الفصيح في الاستعمال فإن الحر هو الخالص من
كل شيء، وذكرت لك في مقالتي السابقة ما في لسان العرب من
معنى كلمة حر، وهو كل شيء فاخر من شعر أو غيره «اللسان
4/182 مادة حرر»، فالأديب العقاد، نظر إليه من هذا المنطلق
وهو أن أصل استعماله في حق الشعر يدل على الفاخر منه، وقد
أيدت رأي العقاد لأنه موافق لما هو أصل في استعمال الكلمة،
وأخذت بما عرفه العرب العرباء عن الشعر متى يسمى حرا.
فالأصح ألا نسميه حرا حتى لا نصفه بأنه الفاخر من الشعر،
وندع «العمودية» للشعر الفاخر الأصيل. ونحن أمة تشكو من
طغيان المصطلحات إذ نجد لكل مقالة أو بحث أو نحو ذلك
مصطلحات خاصة، فكيف نحافظ على لغتنا ما دمنا لا نحترم
أصولها، وما رأيناه منك هو الدفاع عن كلمة الشعر العمودي،
وتأصيلها، والدفاع عن تسمية شعر التفعيلة بالشعر الحر،
وهذا منك مخالف لما تراه في نفسك من حماية تراثنا. فإذا
كنت من حماة التراث والعربية وآدابها فعليك بالأخذ بما
يناسب أصول اللغة ومصادرها الصحيحة، واحترام علوم الأوائل.
أما قولك إنك
قصدت الاسم الموصول (الذي) في عبارتك القائلة: (وأعود إلى
أبيات ابن الزبعرى الذي يقول فيها..) دون الاسم الموصول
(التي) فهذا لأنك لم تتوخ إقامة الأسلوب، لأن سياق كلامك
يقتضي أن تستعمل (التي)، فإن أبيت إلا رأيك فذلك لك ولكنه
ينقص من رصانة الأسلوب. أما قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي
استوقد نارا) وقوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به)
فليس فيهما شاهد على الموضوع، لأن الأولى شاهد على استعمال
المفرد فيما يخص الجمع، وفي الثانية جاء الضمير (أولئك)
خبرا عن الجمع المفهوم من الصلتين المذكورة والمقدرة، لأن
الذي جاء بالصدق هو النبي صلى الله عليه وسلم والذي صدق به
فريق المؤمنين فمجموعهما يناسبه الضمير (أولئك) فخرج
الشاهدان عن الموضوع. ثم كيف تستشهد ببلاغة الآية على
عبارتك فالموصول في الآيتين جاء في غاية البيان في أعظم
أسلوب، وفي عبارتك جاء الاسم الموصول في أسلوب تنقصه
الدقة. هذا ويفضل أن تدع الإطالة بما ليس من الموضوع.
واقصد في كلامك ولا تنثر ما في عيبتك إلا أن يكون من صلب
الموضوع.
أما إحالتك إلى
أبي البركات ابن الأنباري في كتابه (بيان إعراب غريب
القرآن) فهذا فضل من الله لأهل العلم وإن كانوا أمواتا، إذ
ردك الله عالة على ابن الأنباري، حيث عولت على علمه في
مقالتك بعد أن لمزته في كتابك بالسفسطة، والسفسطة نوع من
الكذب.