جامعة أم القرى النتائج الاختبارات الدروس والمحاضرات البحوث والمقالات الكتب النقد البلاغة

الرد على مغالطات العبادي 2-2

 
 
 

 

 

جريدة الرياض الرد على مغالطات العبادي 2- 2

    ويردد الأستاذ العبادي ما بينته له في مسألة إجراء القول مجرى الظن، وقد تفضل فراجع كلام أهل العلم ثم قال : (أقول للابن ظافر: هذا إعمال له مفعولين) فأقول للأستاذ العبادي: وهل أرشدتك إلى غير ذلك ؟! إن نقلي لكلام سيبويه يغني عن عبارتك السابقة. ولاحاجة بموطن الملاحظة إلى كل تلك التفصيلات التي سردتها في مقالتك. وأحسب أنك لو عملت هذا القول قبل أن تخطِّىء الدكتور الحازمي لما خطأته، لكنه لم يدخل إلى حوزة علمك إلا بعد مقالتي، فبكرت تنسج من مواهبك كأنك حفي عن المسألة. ولكن هذا دأبك في كل مسألة أخطأت فيها، تحوم حولها بكل ما أمكنك من نقل لكلام أهل العلم في غير موضعه.

وحول كسر همزة «إن» بعد «حيث» ، نجد الأستاذ العبادي يستطرد في نقل مواضع كسرها عن كتب النحو، فيطيل الحديث بما لا يغني عما وقع فيه شيئاً، ولم أستغرب هذا منه، فقد كثرت هذه الطريقة في مقالته، ففي رده على عدد من الملاحظات التي نبهته على خطئه فيها نراه يعود إلى كتب أهل العلم فينقل كل مايدور حول تلك المسألة ثم يزج به في مقالته، لعل بعضه يوافق جوابا أو يحوم حوله. على أن مواضع كسر همزة« إن» التي أوردها لاتدل على أن ماوقع في كتابه من خطأ في هذه المسألة كان بسبب الطباعة، وإنما غاية ما تدل عليه التظاهر بالمعرفة، وادعاء أن ما وقع في الكتاب من أخطاء ليس عن جهل بالمسألة، فواضح أن الأستاذ العبادي يريد أن يقول :( انظروا هاأنا أعرف المسألة وكل مافي بابها، ولاحاجة بي إلى الإفادة من «المقالات التافهة»، فقد أحسنت النقل عن المصادر) هكذا تقول نقولات كاتبنا الأستاذ العبادي.

أما بيت عبد يغوث الحارثي:

وتضحك مني شيخة عبشمية

كأن لم تري قلبي أسيرا يمانيا

على رواية (تري) بالخطاب لا الغيبة، فيقول الأستاذ العبادي :( ليست الرواية التي تصف سلامتها رواية موثقة،منسوبة إلى راو بعينه كالأخرى «كأن لم ترى») المنسوبة إلى المفضل الضبي، أما الرواية الأخرى التي ذكرتها فذكرها ابن جني ب(ينشد) ولعل أول من صرح بكونها رواية ابن السيد في (الحلل) والأظهر كونها توجيها لارواية، ولو صحت وثبتت رواية فإنها تهبط بالشعر، وليست أقرب للبلاغة). والملاحظ في عبارة العبادي وجود لبس عند حديثه عن ابن جني فلعله من الأخطاء «الطباعية» وأقول للأستاذ العبادي: الرواية التي ضعفتها أنت هي التي اعتمدها البصريون، وفريق من أهل العلم. وسوف أكتفي بقول الأخفش فيما نقله عنه القالي: (رواية أهل الكوفة: كأن لم ترن قبلي (بالنون)، وهذا عندنا خطأ، والصواب تري، بحذف النون علامة للجزم) (ذيل الأمالي والنوادر 134 )، وورد النص نفسه في الخزانة بتحقيق الأستاذ عبدالسلام هارون 2/201 بلفظ :( رواية أهل الكوفة: كأن لم ترى، بالألف، وهو عندنا خطأ، والصواب «تر ي» بحذف النون علامة للجزم). فماذا عساك تقول عن الأخفش وتوثيقه لهذه الرواية واعتمادها عند الجمهور البصريين؟!، وناهيك بالبصريين. أما قولك: (تحط بالشعر) فالصواب أن تقول:( تحط الشعر، أو تحط من الشعر)، وكونك ترى الالتفات يحط من الشعر، فليس عيبا في الالتفات، ولكن لعلك لم تفهم هذا الباب الجليل من أبواب علم المعاني.

ويقول الأستاذ العبادي:( وجزى الله أشياخك من علماء البلاغة الذين لقنوك الالتفات، ومواقعه، وأسراره، ولطائفه، وآمل أن تكون ملما بأكثر ما لقنت، إذ لم يحالفك التوفيق في حمل بيت عبد يغوث على الالتفات المزعوم، فإنه يحط بالشعر، ويطامن من كبرياء الشاعر).

وأقول للأستاذ العبادي: أم شيوخي الذين سميتهم أنت «أشياخا» فجزاهم الله عني خير الجزاء، ونضر الله وجوههم، وأعلى منازلهم في الدنيا والآخرة، ورحم الله من مات منهم. ولقدجريت أيها الأستاذ العبادي على طبعك في النيل مما لاناقة له ولاجمل، حتى قلت: (جزى الله أشياخك) بالدعاء المبهم الذي لو أردت به خيرا لصرحت بلفظ الخير، ولكنك أبهمته، وليس خافيا أنك تريد الإساءة إليهم، ولعلك تعتذر فيما بعد بأن الطباعة حرفت دعاءك لهم إلى دعاء عليهم. فلابأس أيها الأستاذ الفاضل، فليس بغريب عليك النيل من أهل العلم والفضل، فقد نلت من العالم الفاضل أبي البركات ابن الأنباري، واتهمته بالسفسطة التي هي باب من أبواب الكذب!، وقد نبهتك من قبل ألايحملنك حب الانتصار، وداعية الغلبة على الإساءة إلى الأبرياء، والنيل من أصحاب القبور.

إن شيوخي الذين نلت منهم، أسمى من أن يكونوا ملقنين، وأجل قدرا من أن يقضوا أوقاتهم في التلقين، وأعلى شأنا من أن يمنحوا طالباً درجات علمية بطريقة التلقين.

ويقول الأستاذ العبادي : ( الالتفات المزعوم) مفندا الالتفات في البيت على رواية (تري) للمخاطبة، وقد قال به الأولون والآخرون، وملئت به دواوين المعرفة منذ تدوين النحو وتأصيل المباحث في علوم العربية إلى اليوم، وفضلها فريق من أهل العلم، بل ردوا غيرها وهو مافعله الأخفش كما بينت لك ، ولولا خشية الإطالة لسردت عددا كبيرا من كتب أهل العلم التي ذكرت أن في البيت التفاتا.. ( وما يزال مزعوما في نظر الأستاذ العبادي). وأقول أيضا للأستاذ العبادي: لقد أسقطت أقوال أهل العلم، وأنصت لرأي نفسك، وجعلت باب(الالتفات) على عظم قدره وجليل منزلته عند أهل العلم، جعلته يهبط بالشعر، حينما قلت عن رواية الألتفات:( ولو ثبتت رواية فإنها تحط بالشعر ، وتطامن من كبريائه)، إن اتهامك للالتفات في البيت اجتراء على هذا الباب الذي ورد في أسلوب القرآن الكريم، وبه اتضح كثير من معاني الآيات القرآنية، ودليلي على اجترائك أنك حططت من قدر البيت وقد ثبتت روايته، وما فعلت ذاك إلا لما فيه من الالتفات!.. فهل نسقط باب الالتفات من علومنا لنرضي أحدنا؟! ولكن لا ضير أيها الأستاذ، فمثلك معذور بما نبه إليه السيد الشريف الجرجاني، من أن العدول عن الظاهر ومنه الالتفات يلاقي نوعا من الاستبعاد والاستنكار، ونفرة الطباع، في إشارة منه إلى زوامل الأشعار الذين ليس لهم قدم في البيان، ومن تجمدت قرائحهم عند مكشوف الكلام ومغسوله حتى تباعدت طباعهم عن غيره فيسارعون إلى إنكاره واستبعاده، أما الالتفات الذي أغاظك وحط من الشعر « في نظرك»، فإنه لم يخل منه ديوان شاعر من شعراء العربية. بل لا تكاد تخلو منه قصيدة من قصائدهم، ولقد عهدتك حاميا لتراثنا، ومدافعا عن أدبنا فعليك أن تحمي الشعر من الالتفات الذي يحط منه ويضع من كبرياء الشعراء ، فاعمد إلى دواوين أولئك الشعراء عبر تراثنا العظيم واطمس الالتفات منها ولو بأصبعك، عسى أن تحط عن تراثنا عبئا حمله قروناً طويلة.

وأما قولك :( لم يحالفك التوفيق في حمل بيت عبد يغوث الحارثي على الالتفات ) فأقول : هذا حكم من أحكامك العامة، وقول على هوانة لادليل عليه، ولو كان منهجك علميا لمحصت كلامي، وأحسنت تأمله، ونقدته نقدا موضوعيا، فإن وجدت موضعا للتقصير بينته، وإلا فخير لك أن تدع الكلام المعمى ، والأحكام الجاهزة التي تغرفها من بركتك المعرفية.

ونصل إلى إجابة الأستاذ العبادي عن سؤالي له حول قوله:( المجاز معروف عند من ألم بشيء من البلاغة...والشواهد المجازية المعروفة تنحصر في المجاز المرسل والمجاز العقلي)، فقد خلط الأستاذ العبادي في هذه المسألة خلطا شنيعا. وكنت سألته عن الفرق بين المجاز المرسل والعقلي.. وحين تمثل للإجابة وتحكك لها عمد إلى كتب أهل العلم، إلى مواضع الكلمات التالية:( عقلي - مرسل - مجاز - تشبيه - استعارة) فنقل منها نقولا كثيرة لعل بعضها يكون جوابا. وقد خلط فيها بين المصطلحات البلاغية عند أهل الفن، وبعض ماورد في كتب من سبقهم من نثار عن بعض قضايا البلاغة. ثم ختم كلامه ذلك بأن اعترف بغفلته هو، ثم أشركني معه في غفلته!! وهي طريقته التي اعتادها، فحينما أراد أن يبعث في عبارته الحياة قرنها بعبارتي، وحين أراد أن يعترف بغفلته في مسألة المجاز المرسل، والمجاز العقلي، أدخلني معه في غفتله، وأقول للعبادي : لوكنت غافلا مثلك لما نبهتك إلى خطئك في هذه المسألة التي قلت بعظمة لسانك إنها موجودة في كتاب حفيدتك بالمرحلة الثانوية، فنعم ما عملت. ثم انظر لبعض شواهدك . فهل ضاق أدبنا وتراثنا عن الشواهد حتى لجأت إلى بيت ابن المعتز؟! فأنعم بمقدرتك الأدبية، وحسن اختيارك.

ويقول الأستاذ العبادي:( وقد غاب عن ذهن الابن ظافر، أن التصريع يأتي في آخر الشطر الأول من البيت الأول من القصيدة، ويأتي في آخر الشطر الأول من أي بيت في القصيدة والتصريع دليل على قوة الطبع...)

وأقول للأستاذ العبادي: وهل قلت في مقالتي إن التصريع لا يأتي في غير البيت الأول؟! إنني لم أقل هذا ، وإنما الذي في مقالتي :( وقد اضطر المؤلف إلى ضبط البيت بتسكين آخر كلمة (المفاخر) كما هي مضبوطة في الكتاب، وذلك خطا نحوي، ولا يسكن آخر عروض البيت إلا أن يكون تصريعا استهلت به القصيدة) فما في مقالتي ليس فيه ما يدل على أن التصريع لا يأتي في غير البيت الأول، لأن مقتضى التقييد بالوصف هو ان هناك تصريعاً لاتستهل به القصيدة. ولو قصدت ما ذهب إليه الأستاذ العبادي لما قيدت. لكن الأستاذ العبادي جعل القيد لغوا، واستحث همته في اصطناع الخطا. ومفاد كلامي أن التصريع الذي يقع لغوا، واستحث همته في اصطناع الخطأ. ومفاد كلامي أن التصريع الذي يقع في البيت الأول يبيح للشاعر أن يبدأ بما شاء فيسكن أو يعرب، أما التصريع في غير البيت الأول فقد اشترط له العروضيون أن يخرج الشاعر من قصة إلى قصة، أو من موضوع إلى موضوع آخر، وبيتك ليس على الوجه الذي ذكره أهل العلم، لأنه لم يبرح الموضوع، وقد ذكرت بنفسك أن بيتك إضافة إلى بيت المعلمي، فهو مثله في الموضوع، لم يخرج إلى قصة أو إلى موضوع آخر لتلجأ إلى التصريع، وتترك إعراب عروض البيت. ولذلك فليس التصريع مباحا مطلقا.

فالتصريع الذي يقع للشعراء في غير البيت الأول الذي يبيح لهم تسكين عروض البيت، إنما يكون عفويا غير متكلف في مثل قول الأعشى:

في قصيدة له وهي من (المتقارب):

فأظعنت وترك في دارهم

ووترك في دارهم لم يقم

فنرى كيف أن عروض البيت سكنت دون تكلف. فهذا التصريع يأخذ فيه عروض البيت حقه من الإعراب دون تسكين ملجئ، إذ كان التسكين فيه جارياً على ماله من الإعراب لأن عروض البيت ختمت بضمير مبني على السكون. فالتصريع إما أن يكون عفويا لم يتلف له الشاعر، أي أن بناء البيت اقتضى ذلك نحوياً، سواء جاءت العروض ساكنة أو معربة بإعراب وافق تصريعا، ولم يكن التصريع سبباً في ذلك الإعراب، ويقتضي أيضاً أن يكون الشاعر خرج من موضوع إلى آخر. وإما أن يكون التصريع بترك الإعراب، أي بتسكين العروض وكان حقه الإعراب وذلك يقتضي أن يكون الشاعر قد خرج من موضوع إلى آخر.ولاريب أن المتكلف من هذه الوجوه هو التصريع الملجئ إلى ترك الإعراب وهو الأحق بأن يراعى فيه اختلاف الموضوع، أو أن يجتنبه الشاعر ألبتة. وقد قبل أهل العلم كثرة التصريع من الشاعر القديم ولم يقبلوه من غيره. لأنه في القدماء سليقة، وفي غيرهم تكلف، فقد تجده عند امرئ القيس في الرائية، وليس في ديوان الأعشى إلا البيت الذي سبق ذكره، ولم يقع في ديوان أبي تمام مطلقا، ولم يقع للمتنبي إلا في قصيدتين، وأعني هنا ما سكن عروضه، وهو الذي يقع لكثير من الشعراء فيه تكلف، ويغلب عليه أن يكون في المتقارب، وهو يحتاج إلى بحث خاص . ولهذا لم يبيحوا للشاعر مطلق التصريع . لأن الشاعر قد يلجأ إلى التسكين موهما بالتصريع ، وما خالف قول أهل العلم لا يصح أن يأتي به الشاعر.

وقد يسأل سائل عن سبب كراهية كثرة التصريع، فلعل السبب في ذلك أنه ينال من مكانة القافية، لأن تمام إيقاع البيت هو القافية، فإذا استقطع الشاعر من البيت جزءاً يصرع فيه ويستبق موقع القافية فإن ذلك يقلل من قيمة القافية،ويزيل مهابة وقعها في الأسماع ، ويلجئ الشاعر إلى التكلف أحيانا، ويوحي بانفصال أجزاء القصيدة. وربما كان من أسباب تأخر منزلة الرجز عن غيره من البحور- إضافة إلى كثرة زحافاته وعلله - أنه مقفى الشطرين، ويمكن أن يقال مثل ذلك في البحور المخترعة عبر تاريخ الشعر العربي، وما ذكرناه هنا لايجري على التصريع في البيت الأول، لأن له هناك محاسن استدعته في مستهل القصيدة.

وأعود للأستاذ العبادي ، فحينما بينت له أنه لايقع (فاعليان) إلا في باب الرمل في المربع منه، سكت عن هذه الجزئية من المسألة ثم عاد إليها بعد ثلاث مسائل أخرى، معترفا بأن (فاعليان) لاتقع إلا في باب الرمل، لكنه لم يصرح بالاعتراف بهذا وإنما أورد اعترافه بطريقة خلط فيها الكلام خلطا ليلبس على القارئ، انظر أيها الأستاذ الفاضل إلى قولك: (وأقول للابن ظافر : لقد أبعدت النجعة، ولم تهتد إلى صواها للوصول إلى بغيتك هداك الله، فللرمل عروض ثانية، مجزوءة صحيحة «فاعلاتن»، ولها ثلاثة أضرب، والضرب الأول منها مجزوء مسبغ «فاعلاتان»ولا تحول هذه التفعيلة إلى « فاعليّان» وإن عبرعنها بعضهم ب«فاعليّان» إلا أن بعض العروضيين يحولها من«فاعلاتن» فتصبح «فاعلاتان» وذلك في مجزوء الرمل المسبغ، وهو المتبع في المسبغ عند الكتابة العروضية) وأقول للعبادي :( قولك للرمل عروض ثانية تلبيس على القارئ لأن المسبغ الذي ذكرته أنا هو الضرب الأول من العروض الثانية، وقولك مجزوء الرمل المسبغ إنما هو ترديد لمعني قولي:( مربع الرمل) لأن الرمل اما سداسي التفعيلات وإما رباعي التفعيلات، فالرباعي هو المجزوء ، ويسميه فريق من أهل العلم (المربع)، ومنهم الجوهري وابن رشيق والزمخشري فإذا زيد على سبب الضرب الذي هو التفعيلة الرابعة حرف ساكن انتقلت من « فاعلاتن» إلى «فاعلاتان» وهي تحول العروضيين إلى « فاعليان» لكنك، لويت العبارة ليا. ولم تزد على كلامي إلا إشارتك إلى إن بعض العروضيين لايحول، «فا علاتان» إلى «فاعليان» فانظر إلى عبارتك كيف هي ركيكة مطولة ممطولة. وقد سلك الأستاذ العبادي غير الجادة حين زعم أنني أقصد بالمربع من الرمل البيت الرابع، وقد بينت في الأسطر السابقة المراد بالمربع، وبعض من استعمل هذه التسمية من أهل العلم ، فلا أطيل بالإعادة ، ولكن هل غاب عن الأستاذ العبادي أن المربع هو المجزوء أي ذو التفعيلات الأربع؟! .. وهو مما يعرف في عامة كتب العروض القديمة . وكيف عالج العروض طيلة هذا العمر ثم يصرف كلمة المربع إلى البيت الرابع؟! وقد احتشد الأستاذ العبادي بعد ذلك للحديث عن موضوع البيت الرابع فخرج عما بدأ الحديث عنه.

ويقول الأستاذ الفاضل العبادي :( أشكر الدكتور ظافر على عنايته باللغة العربية في زمن طغت فيه العامية حتى بلغت الزبى، ولكني أراه يعجل بتخطئتي ، ويتزبب قبل أن يحصرم ، لأن ماتراه غيرصحيح في رأيك ، يكون صحيحاً في رأي غيرك، فلا تعجل بالتخطئة لأن هذا مركب صعب يحتاج إلى مراجعة كل ماتركه القدامى في هذا الموضوع) . وقبل أن أجيب على ما في هذه المقطوعة «الأدبية» ، أود أن ارد له الشكر بمثله، اذ شكر لي عنايتي بالعربية. .. أما باقي المقطوعة فيبدو فيها الأستاذ العبادي ينزه نفسه عن الخطأ، ويزكيها عن صفة لازمت آدم وذريته، حتى أن الذي يذكره بخطئه يقول له : (تزبب قبل أن يحصرم) وأقول للأستاذ العبادي: سلم العلم الشريف من القول الضعيف. وإليك طرفا من أخطائك التي وردت في مقالتك فاضفها إلى ماذكرتك به في كتابك: ( أما العامية التي طغت حتى بلغت الزبى، فإنها طغت في مقالتك قبل غيرها فبها فابدأ (نفع الله بعلمك) : تقول : البساطة، وهي ليست فصيحة بل هي من العامية فهي ليست مصدرا كما تظن، ولم ترد في المعاجم. وتقول (بارك الله فيك) : أخذت النهضة العلمية تتبلور وهو اشتقاق حديث «مولد» من كلمة (بلور) وهو نوع من الحجر، فمن أي مصادر اللغة جئت بكلمة (تتبلور) ؟، فأعلم رحمك الله أنها من العامية التي تسللت إلى علمك، ولعلك بعد ذلك تتعلل بكلام بعض المعاصرين، الذين لاحجة لك في كلامهم، وتقول: (يحط بالشعر) وأنت تريد : يحط من الشعر، أو يحط الشعر ، وأنما يقولون : حط بالمكان أي : نزل به. وتقول:( إن نقدي تركز علي : تذود معي العدا) وأنت تريد انصب على كذا، أو اتجه إلى كندا، فلا تناسبه كلمة «تركز». ذكر هذا المأخذ الدكتور إبراهيم السامرائي، وقد أقررت أنت بأنه عالم كبير، وذكر أنه ظهر في كلام الكُتَّاب المعاصرين من أثر الترجمات عن اللغات الأخرى. فلا يصح استعمال كلمة ركّز أو تركّز في مثل هذا التعبير حقيقة لعدم ورودها عن العرب بهذا الاستعمال. ولا مجازاً لعدم وجود الجامع المعقول بين الطرفين كما أن في كلمة «تركّز» نظراً من جهة استعمال بنيتها بهذه الطريقة. وتقول: عن كتابة همزة كلمة (شيء) تكتب ياءً وهو خطأ، وسيأتي بيان ذلك. وتقول إن حرف (أو) لا يأتي بعد (سواء) وهو خطأ. سيأتي بيانه قريباً. وتقول إن رواية بيت عبد يغوث الحارثي التي جاء فيها الفعل (تري) للمخاطبة، ليست رواية موثقة وهو خطأ، وقد نصّت المصادر على أن الأخفش كان لا يعتمد إلا هذه الرواية. وتقول إن أول من رواه بهذه الرواية هو ابن السيد في الحلل، وهو خطأ فإن الأخفش معاصر للضبي، مما يدل على أن الروايتين متعاصرتان، ولكل منهما قوة الأخرى، وربما كانت الرواية التي اعتمدها الأخفش أقدم لأنه أخذها ممن سبق الضبي، وتقول عن هذه الرواية إنها توجيه لا رواية وقد رأيت أهل العلم يأخذون بها. وتزعم أنها ليست رواية فما تقول في الأخفش الذي وصفه السيوطي في البغية بأنه: «كان ديناً ورعاً ثقة»؟ وتقول إن تسمية الشعر بالشعر العمودي قديمة وهو خطأ وخلط بين مصطلحي عمود الشعر، والشعر العمودي. وتقول إن التشبيه داخل تحت المجاز، وهو خطأ علمي من منظور المصطلح البلاغي، وإنما نقلت أنت كلامك عن بعض أهل العلم - رحمهم الله - الذين سبقوا الإصلاح البلاغي. وتقول إن من أراد أن يخطئ مخطئاً فعليه أن يراجع كل ما كتبه القدامى في ذلك الموضوع، وهو خطأ لأننا لو سلمنا بهذا لما استدرك أحد على أحد، ولكان ينبغي لكل عالم أن يقرأ كل ما سبقه دون استثناء، ويستقصي فلا يبقي شيئاً ولا يذر، لكي يفتي في علم ما، ثم هل عملت بهذا قبل أن تؤلف كتابك الذي كان استدراكاً على الآخرين؟!، واعلم أنني لم أخطئك في شيء إلا بعد أن بحثت عن أدنى ذريعة لأدرأ عنك الخطأ، ولعلك تجد في مقالتي السابقة اعتذارات عنك في بعض ما ورد في كتابك مما كان غيره أولى منه.

لقد بدا واضحاً أن الأستاذ العبادي يشق عليه معرفة موطن الاستشهاد في الكلام، وشاهدي في ذلك كلامه عن قولي في وصف الشاعر الشريفللود بأنه هراء، حيث قلت: (ليس في هذا الوصف خطأ بل هو جائز، ونحوه ورد في كلام العرب، ومن ذلك قولهم: زيد رجل عدل، ورجل صدق، إذا أرادوا المبالغة في وصفه بمضمون تلك الصفات، لأن العدل صفة للفعل أو القول، والصدق صفة للقول) فقد فهم العبادي مما قلته أن العرب لا يستعملون مثل هذا الأسلوب إلا إذا كان الخبر مصدرا، فقال: (من ضعف الحس باللغة أن كلمة «هراء» ليست مصدرا مثل «عدل» و«صدق» اللذين يخبر بهما عن «ذات» على تأويل: ذا عدل وذا صدق، أو عادل وصادق. فهل يرضى ابننا الفاضل أن نقول لشخص ما: ودك هارئ). وأقول للأستاذ العبادي: هل وجدت في مقالتي أنني جعلت كلمة «هراء» مصدرا؟! ثم كيف تصنع بما ورد في لسان العرب لابن منظور (1/182) مما نقله عن العرب وهو قولهم:(رجل هراء)، حيث أخبر بالهراء عن شخص، ولم يشترط أن يكون الخبر مصدرا كما زعمت.

واستشهادي بقولهم: رجل عدل، ورجل صدق، إنما أردت لأبين لك جواز وصف الشخص بصفة الفعل الصادر عن الشخص، لأن الهراء فعل صادر عن شخص كما أن العدل فعل صادر عن شخص، فيجوز الإخبار به عن الفعل، كما أخبر بالصدق عن الكلام أيضا، فإذا أخبر عن شخص بصفة الفعل جاز الإخبار عن فعل بصفة فعل آخر. ثم لماذا لم تقس على قولهم: رجل ذا عدل فتقول: ود ذا هراء، بدلا من قولك: (ودك هارئ)؟! وبذلك فقد أخطأ العبادي القياس لعدم معرفته بأصل العلة التي هي مناط الحكم.

ويحاول الأستاذ العبادي الدفاع عن كتابته الهمزة المتطرفة على السطر في مثل كلمة (قارئ)، وكان حقها أن تكتب على الياء، فاسترجع كنتياته، كما فعل عند حديثه عن إعراب الحال، ولكنه لم يحسن حين قال: (والهمزة المتطرفة التي أشرت إليها فيها أيضا ست حالات، منها أن تكتب ياء) والتحقيق أن الهمزة لا تكتب ياء فالصواب أن تقول: تكتب على ياء أو تكتب بالياء، وكذلك الشأن فيما يكتب على الواو وما يكتب على الألف من الهمزات فإنه يقال تكتب على الواو أو على الألف أو يقال تكتب بالواو أو تكتب بالألف، فأما قولك تكتب ياءً فهو مما يدل على أن همزاتك التي سامتها المطابع خسفاً إنما هي كذلك في مسوداتك. وارجع إلى مكتبتك علك تجد فيها كتابا لابن الحاجب فتنتفع به في هذه المسألة. وربما وجدت مصادر أخرى تستكثر منها لتطيل بها مقالتك القادمة كما هو دأبك لتبين أنك تعلم المسألة علم اليقين ولكن سبقك قلم الأخطاء الصحافية.

وقد ذكرت للأستاذ العبادي أن صواب الكلمة الدارجة بين الكتاب (الشيء بالشيء يذكر) هو (السّي بالسّي يذكر)، والسي هو المثيل والنظير، فمعنى المثل: أن المثيل والنظير يذكر بنظيره، أما كلمة الشيء بالشيء يذكر ففيها نظر من جهة عموم دلالة كلمة الشيء. ويقول الأستاذ العبادي: (ولم أقرأ ولم يمر علي في قراءتي العديدة هذا المثل الذي ذكرته) فأقول للأستاذ الفاضل: عدم العلم بالشيء لا يعني العلم بعدمه، فهذا المثل الذي ذكرته لك موجود في المقدمة الرابعة من التحرير والتنوير للعلامة المبرز الطاهر بن عاشور. وحين بينت للأستاذ العبادي هذا الأمر أجاب بأن ذلك شائع لدى الكتاب، وأقول كان عليك أن تتحرى الدقة ولا تتذرع بالشيوع، خاصة أنك تستدرك على المتأدبين وأهل العلم.

ويقول الأستاذ العبادي: (وإني أسأله قبل أن أرد عليه، عن جملة: «سواء قل ذلك أو كثر في الأبيات». وهي الجملة التي وردت في مقالته، أفصيحة هي؟! لأن الأكثر في الفصيح استعمال الهمزة وأم في أسلوب سواء، فعليك أن تقول: سواء أقل ذلك أم كثر في الأبيات. وإن كانت جملتك أقرها المجمع اللغوي في القاهرة، ونشر ما أقره في الجزء الرابع والعشرين من مجلة المجمع، في باب قرارات المجمع) فأقول للأستاذ العبادي: نعم العبارة صحيحة قويمة عربية قديمة لا يصلها نقدك، ولايعلو إليها حردك، وليتك تطالع كلام أهل العلم قبل أن تبادر بالتخطئة، استمع إلى ما نقله الشهاب الخفاجي عن أبي سعيد السيرافي في شرحه لكتاب سيبويه، عما يقع بعد كلمة (سواء) قال السيرافي: (فإذا كان بعدها فعلان بغير استفهام عطف أحدهما على الآخر ب (أو) كقولك: سواء على قمت أو قعدت) (حاشية الشهاب 1/272)، فهذا كلام أهل العلم صريح في فصاحة العبارة، قبل أن يجيزها مجمع القاهرة، ومع شديد احترامي لمجمع القاهرة وقراراته وإصداراته، فقد كان على الأستاذ العبادي أن يرجع إلى كلام أهل العلم في المصادر القديمة، فهل بعدت عليك الشقة، واختلط عليك ما دخلت عليه همزة الاستفهام بما لم تدخل عليه الهمزة، بدليل عبارتك التي أردت أن تستدرك بها علي حيث أدخلت همزة الاستفهام على الفعل، وكأنه لا يقع بعد كلمة (سواء) إلا فعل مصدر بهمزة، وليس لكلامك نصيب من الصحة، فذهبت تخطئ الصواب. ولولا شفاعة مجمع القاهرة لخسفت بعلم أبي سعيد السيرافي الأرض.

ويقول الأستاذ العبادي: (أخذ الابن ظافر يسرد ما تعلمه في علم العروض، وما سرده كان خطأ غير صحيح... ثم أخذ الابن ظافر يتابع حديثه على غير ولاء، ضعيف السياق، قد اختلط عليه والتبس، وأقول للابن ظافر: لقد خانك حدسك عندما قلت:« إن صوت الفتحة لا يتناسب مع الضمة أو الكسرة)، وأقول للأستاذ العبادي: إن ما ذكرته في مقالتي من أن سناد التوجيه يعد عيبا في القافية ليس من تأليفي وإنما هو كلام أهل العلم وعد إلى المصادر فلا تجد كتابا يتحدث عن السناد إلا ويدخله في عيوب القافية إلا النزر من الكتب، وأما الخطأ فلا أحسبه يصدر إلا ممن يرد أقوال أهل العلم. وأما زعمك أن سياق كلامي ضعيف. فأقول لك: إن كان سياق حديثي ضعيفا فعليك أن تبين مصدر ضعفه من مقالتي، وموطن الخلل، وتحدد ذلك بدقة مثلما بينت لك في مقالتك مواطن الضعف، وحددت لك الخطأ تحديداً دقيقا، وشخصت مصدر العلة في مقالتك، أما أن تلقي القول على عواهنه، وتصدر أحكامك المجمدة، فهي مردودة عليك رداً جميلا.

والواضح أنه قد أشكل على الأستاذ العبادي ما فعلته حينما عللت كون سناد التوجيه من عيوب القافية، وربطت بينه وبين بعض مسائل علم الصرف، ومسائل علم النحو، فاعتبر ذلك اختلاطا ولبسا، وأقول له: إن ما ذكرته لك من تقارب بين صوت الضمة والكسرة وابتعادهما عن الفتحة، ومن تقارب بين الواو والياء وابتعادهما عن الألف، إنما كان ذلك من واقع تلك الأصوات وطبيعتها التي تجعل بعضها يقترب من بعض ويبتعد عن البعض الآخر، وهو قائم في علم الصرف وعلم القافية وعلم النحو وعلم القراءات. وبينت لك أثر هذه الصلة في علم الصرف وفي علم الإعراب، فإن أشكل الأمر فلم تفهمه، فلا يصح لك أن تعيبه وهو قول سديد لا فيه آفة ولا خلط. ودليل عدم فهمك لهذا الموضوع الحيوي، أن الحديث كان عن سناد التوجيه وبينت لك شاهدا، وهو أن الواو والياء متقاربان، وإنما يخالفهما الألف، وهذا قياس لمخالفة الفتحة لأختيها الضمة والكسرة وابتعادها عنهما من جهة الصوت. فما الذي أجبت به أنت؟! لقد عمدت إلى الحديث عن جواز مجيء الردف واواً أو ياء، وليس في هذا شاهد على سناد التوجيه، وإنما هو منك خلط، ويبدو أنك تشعر أن الحديث عن أي شيء في القافية يجيز لك أن تعتلط الكلام كيفما شئت. ثم أقول للأستاذ العبادي: ما علاقة كلام الخليل بن أحمد عن اختلاف الردف بين الواو والياء بمسألة سناد التوجيه، فإن ما ذكرته في مقالتك عن الخليل لا خلاف فيه بل هو كثير مستساغ في شعر العرب. وقد ذكرت لك أن صوت الواو والياء لا يتنافران وجعلت دليل على صحة تقارض الضمة والكسرة الموقع فيما قبل الروي. فأما السناد المعيب فلا يقع إلا إذا دخلت الفتحة معهما أو مع أحدهما. ولكنك حشوت مقالتك بكلام الخليل واستكثرت لتطيل الرد. فكلامه لا يدل على أن الفتحة تناسب الضمة والكسرة في حركة ما قبل الروي، وليس ما نقلته عن الخليل مما يستشهد به على سناد التوجيه ألبتة، وإنما يستشهد به في موضعه وهو الحديث عن الردف.

ثم يورد الأستاذ العبادي عدداً من أبيات الشعراء التي وقع فيها سناد التوجيه، لامرئ القيس، ولأحمد شوقي. وأقول للأستاذ العبادي: إن سناد التوجيه ينقص إيقاع القافية حسنه وسلاسته في الأذن، لأن الفتحة ذات صوت يبتعد كثيراً عن الكسرة والضمة، ولهذا فهو معدود في عيوب القافية، وجل من كتبوا في علم القافية عدوه عيبا، ولم يعدوه عيبا إلا أنه ينقص القافية حسنها، فهل في كلامي تخطئة لشاعر؟، وملاحظتي هذه إنما هي بيان للأفضل. ومجيء سناد التوجيه في شعر امرئ القيس أو شعر أحمد شوقي أو غيرهما من كبار شعراء العربية، لا يعني مزيته وحسنه.

فهل تقول إن القافية التي وقع فيها سناد التوجيه أحسن من القافية التي سلمت منه؟، أو تقول إنها مساوية لها من جهة حسن الإيقاع وعذوبة صوت القافية؟! وما قلته لك كان تفضيلا للأفضل، وتقديماً له على المفضول، بل هو بيان للسلامة والعيب في القافية. والشاهد الذي ذكره الأستاذ العبادي من شعر امرئ القيس، هو الشاهد الذي يمثل به أهل العلم لذلك العيب، فلولا وروده في الشعر القديم لما اكتشفوه.

وقد ذكر الأستاذ العبادي أن الخليل بن أحمد يجيز سناد التوجيه ولم يعلم أن في ذلك دليلا على ما ذهبنا إليه، وهو ما عند جمهور العروضيين في القافية، فإن إجازته له تدل على كون غيره أفضل منه لأن دخوله في باب التجويز يعني وجود علة تقربه من المنع مع وجود ما هو أحق منه، ومن المعلوم أن ما يجوز واقع بين الوجوب والمنع، فإذا ترك الواجب كان الجائز خيارا آخر أقل منه مرتبة. وهذا فحوى التجويز إن علمت خصائص الأساليب، فأيهما أفضل الجائز أم المندوب المرغب فيه؟، ولو سئل الخليل عن أيهما أفضل لفضل القافية الخالية من سناد التوجيه على القافية المرتكب فيها ذلك النوع من العيوب؟!. فما كان جائزا في الأمور فهو خيار آخر لأمر هو أولى منه، فأضف هذا إلى علمك وانتفع به.

وبعد هذا كله أقول للأستاذ العبادي: إن الخلط الذي تزعمه إنما وقع لمن جهل الرحم الموصولة بين فنون العربية بله علوم الشريعة، والخلط الحقيقي إنما يقع لمن يتحدث عن مسألة في باب من أبواب العلم فيدخل عليها ما يظنه ذا صلة بها من أبواب أخرى. والخلط يقع لمن يتمثل للرد على مسألة فيحطب بليل كل ما في بابها من أقوال أهل العلم فينثره على جوانب كلماته لعل بعضه يتضمن الرد.. وقد وقع ذلك في مقالتك كثيراً وهو مبين في مواضعه.

وحول بيت الشاعر الشريف محمد بن منصور:

أبا هند حسبتك لي صديقا تذود معي العدا والحاقدينا

قلت للأستاذ العبادي في مقالتي السابقة: (إن الشاهد النحوي:

 

تمرون الديار ولم تعوجوا

كلامكم علي إذن حرام

لا يستشهد به على حذف الجار بعد فعل «ذاد» ولا شاهد فيه للشاعر محمد بن منصور، لأن المجرور في الشاهد النحوي وهو (الديار) لم يحذف وإنما المحذوف هو الجار (الباء) أما في بيت الشريف فالمحذوف هو الجار مع مجروره وهو صحيح نحويا). فماذا فعل الأستاذ العبادي في مقالته؟!، لقد أعاد كلامي كما جاء في مقالتي، غير أنه وجهه إلي بدلا من أن يوجهه إلى الشاعر الشريف، فقال: (أقول للابن ظافر) ثم ساق كلامي نصا في تلك المسألة، ومن الطريف أنه طوال جداله مع الشريف حول هذا البيت لم يهتد إلى الرد العلمي فيرد به على من استشهد بالشاهد النحوي على صحة بيت الشريف، ولما وجده في كلامي وجهه إلي، لكن الأطرف من ذلك أنه لم يقف عنده؛ بل جاء بما يدل على عدم فقهه للمسألة، وذلك أنه خلط مسألة حذف الجار وبقاء مجروره بمسألة حذف الجار مع مجروره، ولذلك جاء بقول أهل العلم: إن الجار يحذف قياسا مع (إن و أن)، وهو ما أرشدته إليه عند تصويب عبارته الشهيرة (رغبوا مني).

وليس كلامهم في هذه المسألة مما يستشهد به على حذف الجار مع مجروره. فخلط كلام أهل العلم في «أنّ، وأن» بموضوع حذف المفعول.

وليت الأستاذ العبادي حين أفاد مما أرشدته إليه أشار إلى ذلك، ليكون منصفا، ولكنه لم يفعل. ولو شاء الأستاذ العبادي أن أسرد له النصوص التي نقلها من كلامي ثم وجهها إلي فسوف أسردها وأضع بإزائها نصوص عباراتي ليتذكر كيف كان يستنسخ وهو غافل. ولست مطيلا بإعادة النصوص، لأن موقع صحيفة «الرياض» على الشبكة فيه كامل مقالتي بتاريخ 18/4/1426ه، الموافق 26/5/2005م، ومقالة الأستاذ العبادي بتاريخ 15/6/1426ه، و22/6/1426ه ، أو ما يقابل ذلك بالتاريخ الميلادي. ومن أحب الاستزادة فسيجد نصوصاً مقتطعة، وخاصة حين يقول: (وأقول للابن ظافر) فإن القارئ يجده يوجه لي شيئا من التأنيب والتخطئة ليوهم أن ما بعد ذلك التأنيب وتلك التخطئة إنما هو من إنشائه هو ومن نتاجه المعرفي. ولكن لن يلتبس هذا الأمر على أحد، وقد ظن الأستاذ العبادي أن شهرين متتابعين فصلا بين مقالتي ومقالته كفيلان بنسيان ما كتبت في مقالتي، فيخلو له الجو ويصفر وينقر كما شاء، ونسي أن موقع صحيفة «الرياض» يحفظ المقالتين وييسر على من شاء تصفح الأعداد السابقة ليرى مواطن الزلل فيعلم أين الخلل.

ونأتي إلى إحدى ترهات الأستاذ العبادي، ومساقطه التي حدر منها، وشوائب الكتابة ومقابر الإصابة، وذلك حين نقل عبارة من مقالتي السابقة، ثم كتبها كما يشاء، فحرفها بقلمه، ثم ألبس العبارة ذلك التحريف، وأخذ ينقده بأسلوبه الطريف وقلمه اللطيف، وذلك قولي: (لقد دار في خلدي عنوانا هو أنسب من هذا العنوان وهو (ما هكذا ينظم الشعر، لأن مآخذ المؤلف انصبت على مسألة صحة الوزن العروضي) فقد نسخها الأستاذ العبادي من مقالتي إلى أوراقه فغير فيها كلمة (انصبت) إلى (انصب) وليس في هذه الكلمة خطأ طباعي في مقالتي بل هي صحيحة سليمة معافاة هكذا (انصبت) وبعد تحريفه لها في الكتابة، قرأها كما يشاء، ثم فهمها كما يشاء ثم حكم بأنني أخطأت، وإليك كتابته وتصويبه حيث وردت هكذا:( لأن مآخذ المؤلف انصب، ويقصد الابن ظافر: انصبت). أحسنت أيها الأستاذ، لقد خدمت الصحافة في الأخطاء الطباعية، وقمت مقامها هذه المرة.. تقرأ شيئا وتنسخه في أوراقك شيئا آخر، وتحكم عليه كما شئت.

ولقد سبق هذا التحريف في مقالتك بأسطر قليلة قولك: (وإني أسألك، وحق لي أن أسأل، لماذا تعنيت في حواشيك حتى اختلط عليك أمرها، وأتيت بالزغل في الذهب، فالخطأ المطبعي يميزه المتعلمون بخاصة، وأنصاف المتعلمين بعامة.. فسامحك الله يا أيها الابن الفاضل الذي أسعدتني بمقالتك لولا هذا التخليط الذي شوهها وقضى على صدق النقد فيها). وأقول للأستاذ الفاضل: عد فاقرأ هذا الكلام الذي قلته، ثم أجب نفسك من الذي اختلط عليه الأمر؟ ومن الذي أتى بالزغل في الذهب، ومن الذي لم يميز الخطأ المطبعي من غيره؟ ومن الذي عمد إلى الصواب فجعله خطأ وفتق منه بحورا من العلم؟ ومن الذي اصطنع الأخطاء في مقالة الاخر حين لم يجدها؟ ثم تذكر: من الذي قرأ العبارات كما يحب لا كما يجب؟ ومن الذي زيف أقوال أهل العلم وردها؟ ومن الذي بتر النصوص لتوافق هوى في الفؤاد؟ ومن الذي أنطق أهل العلم والأدب من الأموات بما لم ينطقوا به؟ ومن الذي نال من أهل الفضل والعلم من أساتذة الجامعة ولم يصلوا إليه من قريب ولا من بعيد؟ ومن الذي نال من ابن الأنباري واتهمه بالسفسطة؟.

وهذا الخليل بن أحمد رحمه الله تتلمذت على علمه ووصفته بأنه شيخك، ولكنك لم تتورع عن أن ترميه بالوضع نقلا عن المعري، ولقد كان أولى بك أن تطرح كلام المعري، لأن الخليل كان أورع مما رميته به، فما الذي يا ترى دعا الخليل الى هذا الوضع المزعوم؟! هل كان يريد ان يختلق وزناً من عند نفسه؟! أم هو ممن يتزيدون لينالوا من الدنيا؟! كل ذلك لم يكن، ولكن هذا دأبك مع أهل العلم من السلف، لا تتورع عن ان تقول عليهم ما حاك في نفسك، وليس هذا هو الاول ولن يكون الأخير، من اصحاب الفضل الذي ينالهم قلمك. لقد طرت بهذه السبة فرحاً، لانها تخدم غرضاً في نفسك، فمتى اردت ان ترد بيتاً او تبطل مسألة فإنك لا تتوانى في ان تمتطي مركباً ولو وطئت به تراب المقابر، وسبحت به على أعظم أهلها. فنعوذ بالله من ان نكون انصاف متعلمين. واقول لك امض في عروضك واستمتع «بالنقد» كما شئت.

وقد ختم الاستاذ العبادي: مقالته بالنيل من المنظومات العلمية ووصفها بضعف الاسلوب والاخطاء العروضية، فليته يشنف اسماعنا بنقد اسلوب واحدة من تلك المنظومات، ثم يميل الى اخطائها العروضية فيصححها كما صحح لشعرائنا ومتشاعرينا، فلعله يقدم خدمة لطلبة العلم، ويرينا ذلك في الجزء الثاني من كتابه قبل ان يخرج من المطابع، ويجتهد في تنقيحه وتصحيحه.

وقبل ان اختم مقالتي أشير الى ما ذكره الاستاذ العبادي من اخطاء طباعية وقعت في مقالتي الاولى، وليعلم الاستاذ الفاضل ان اصول الاوراق التي ارسلتها للصحيفة لم يكن بها موضع خطأ واحد ولله الحمد، وليست الاخطاء الطباعية التي تقع في الصحافة مما يؤاخذ به الكاتب، وان كانت تؤثر في المقال، وربما تغير المراد من الكلام. على انها ليست موطن خلاف او مما يستحق المجادلة، ولا نعفي الصحافة من مثل تلك الاخطاء، وهي شر لا بد منه، وان كنا نعلم ما يبذله القائمون عليها في سبيل اخراج المقالات على الوجه المطلوب. وليس الخطأ في كتاب نقح عشر سنوات كالخطأ في مقال صحفي يتولاه نساخ الصحيفة ليخرجوه في يوم او يومين، ولذلك لم انظر في مقالتي هذه الى اخطائك في مقالتك الصحفية لأني عددتها من الطباعة، اما ما في كتابك فلم أقف إلا عند المتكرر تكرراً لافتاً. ولعل هذه المقالات والمساجلات تستمر بيني وبين الاستاذ العبادي ولعل استمرارها يؤهل ما كتبته لاخراجه في كتاب يقوم نادي الطائف الأدبي مشكوراً بطباعته.